مرتضى الزبيدي

344

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

أبويه كانا مملوكين له ، فعلم ذلك وحكم به الحاكم ، فجاء مالكه فأخذه وأخذ جميع ما في يده ، وهو مع ذلك يخشى أن يعاقبه وينكل به لتفريطه في أمواله وتقصيره في طلب مالكه ليعرف أنّ له مالكا ، ثم نظر العبد فرأى نفسه محبوسا في منزل قد أحدقت به الحيات والعقارب والهوام وهو في كل حال على وجل من كل واحد منها ، وقد بقي لا يملك نفسه ولا ماله ولا يعرف طريقا في الخلاص البتة . أفتى من هذا حاله هل يفخر بقدرته وثروته وقوّته وجماله أم تذل نفسه ويخضع ؟ وهذا حال كل عاقل بصير فإنه يرى نفسه كذلك فلا يملك رقبته وبدنه وأعضاءه وماله ، وهو مع ذلك بين آفات وشهوات وأمراض وأسقام هي كالعقارب والحيات يخاف منها الهلاك . فمن هذا حاله لا يتكبر بقوّته وقدرته إذ يعلم أنه لا قدرة له ولا قوّة . فهذا طريق علاج التكبر بالأسباب الخارجة وهو أهون من علاج التكبر بالعلم والعمل ، فإنهما كمالان في النفس جديران بأن يفرح بهما ، ولكن في التكبر بهما أيضا نوع من الجهل خفي كما سنذكره . السبب السادس : الكبر بالعلم ، وهو أعظم الآفات وأغلب الأدواء وأبعدها عن قبول العلاج إلا بشدة شديدة وجهد جهيد ، وذلك لأن قدر العلم عظيم عند اللّه عظيم عند الناس ، وهو أعظم من قدر المال والجمال وغيرهما ، بل لا قدر لهما أصلا إلا إذا كان